الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
205
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
استئناف وقع تذييلا لما قبله من الوعيد والإنذار والاعتبار بما حلّ بالمكذبين ، وهو أيضا توطئة لقوله : وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ [ القمر : 50 ] إلخ . والمعنى : إنا خلقنا وفعلنا كلّ ما ذكر من الأفعال وأسبابها وآلاتها وسلّطناه على مستحقيه لأنا خلقنا كل شيء بقدر ، أي فإذا علمتم هذا فانتبهوا إلى أن ما أنتم عليه من التكذيب والإصرار مماثل لما كانت عليه الأمم السالفة . واقتران الخبر بحرف ( إنّ ) يقال فيه ما قلناه في قوله : إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ [ القمر : 47 ] . والخلق أصله : إيجاد ذات بشكل مقصود فهو حقيقة في إيجاد الذوات ، ويطلق مجازا على إيجاد المعاني التي تشبه الذوات في التميز والوضوح كقوله تعالى : وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً [ العنكبوت : 17 ] . فإطلاقه في قوله : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه . و شَيْءٍ معناه موجود من الجواهر والأعراض ، أي خلقنا كل الموجودات جواهرها وأعراضها بقدر . والقدر : بتحريك الدال مرادف القدر بسكونها وهو تحديد الأمور وضبطها . والمراد : أن خلق اللّه الأشياء مصاحب لقوانين جارية على الحكمة ، وهذا المعنى قد تكرر في القرآن كقوله في سورة الرعد [ 8 ] وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ومما يشمله عموم كل شيء خلق جهنم للعذاب . وقد أشار إلى أن الجزاء من مقتضى الحكمة قوله تعالى : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ [ المؤمنون : 115 ] وقوله : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ [ الحجر : 85 ، 86 ] وقوله : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ * ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ [ الدخان : 38 - 40 ] فترى هذه الآيات وأشباهها تعقّب ذكر كون الخلق كله لحكمة بذكر الساعة ويوم الجزاء . فهذا وجه تعقيب آيات الإنذار والعقاب المذكورة في هذه السورة بالتذييل بقوله : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ بعد قوله : أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ [ القمر : 43 ] وسيقول : وَلَقَدْ